ابن خلكان

401

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

فقلت : أما سداد الكنيف فأنت مليّ به ، وأما الثغر فلا علم لنا كيف أنت فيه ، وكنت حديث السنّ وأردت العبث به ، فأعرض عني مليا ، ثم أقبل عليّ متمثلا يقول : وأكرم نفسي إنني إن أهنتها * وحقك لم تكرم على أحد بعدي فقلت : واللّه ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها له فقال لي : واللّه إن من الهوان لشرا مما أنا فيه ، فقلت : وما هو ؟ قال : الحاجة إليك وإلى أمثالك ] « 1 » . وكان سبب عمله هذه الأبيات أن محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك لما كان والي مكة حبس العرجي المذكور لأنه كان يشبّب بأمه جيداء ، وهي من بني الحارث بن كعب ، ولم يكن ذلك لمحبته إياها ، بل ليفضح ولدها المذكور ، وأقام في حبسه تسع سنين ، ثم مات فيه بعد أن ضربه بالسّياط وشهره بالأسواق ، فعمل هذه الأبيات في السجن « 2 » . [ قال إسحاق : وكان الوليد بن يزيد مضطغنا على محمد بن هشام أشياء كانت تبلغه عنه في حياة هشام ، فلما ولي الخلافة قبض عليه وعلى أخيه إبراهيم بن هشام وأشخصا إليه إلى الشام ، ثم دعا بالسياط ، فقال له محمد : أسألك بالقرابة ، فقال : وأي قرابة بيني وبينك ، هل أنت إلا من أشجع ؟ قال : فأسألك بصهر عبد الملك ، قال : فلم تحفظه ؛ قال : يا أمير المؤمنين قد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن تضرب قريش بالسياط إلا في حد ، قال : ففي حدّ أضربك وقود ، [ أنت ممن سنّ ] ذلك على العرجي وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان فما راعيت حق جده ولا نسبته إلى هشام ، ولا ذكرت حينئذ هذا الخبر ، وأنا ولي ثأره ، اضرب يا غلام ، فضربهما ضربا مبرحا وأثقلا بالحديد ووجههما إلى يوسف بن عمر بالكوفة وأمر باستقصائهما وتعذيبهما حتى يتلفا ،

--> ( 1 ) زيادة انفردت بها ر ، وانظر الأغاني 1 : 390 . ( 2 ) وكان سبب . . . السجن : هذه الفقرة وقعت في ر بعد الزيارة التالية ، ولكنا قدمناها ليطر السياق ؛ وواضح من إيراد الزيادتين معا أنهما نقل مباشر عن الأغاني .